السبت، 26 ديسمبر 2009

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ





أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ،
أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ،
ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى
وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي
إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ ،
إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!
حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا
و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ
و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ
لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً
هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي
لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ
بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني
أرى أنَّ داراً ، استِ من أهلها ، قفرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ
وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ
فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْ
فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ
وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ
لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ
وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها،
فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ
تسائلني: " منْ أنتَ ؟ " ، وهي عليمة ٌ ،
وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟
فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى :
قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها: " لو شئتِ لمْ تتعنتي ،
وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!
فقالتْ: " لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا!
فقلتُ: "معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ،
وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌ
إلى القلبِ؛ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ
وَتَهْلِكُ بَينَ الهَزْلِ والجِدّ مُهجَة ٌ
إذا مَا عَداها البَينُ عَذّبَها الهَجْرُ
فأيقنتُ أنْ لا عزَّ ، بعدي ، لعاشقٍ ؛
وَأنُّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ
وقلبتُ أمري لا أرى لي راحة ً ،
إذا البَينُ أنْسَاني ألَحّ بيَ الهَجْرُ
فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِها،
لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ
كَأني أُنَادي دُونَ مَيْثَاءَ ظَبْيَة ً
على شرفٍ ظمياءَ جللها الذعرُ
تجفَّلُ حيناً ، ثم تدنو كأنما
تنادي طلا ـ، بالوادِ ، أعجزهُ الحضرُ
فلا تنكريني ، يابنة َ العمِّ ، إنهُ
ليَعرِفُ مَن أنكَرْتِهِ البَدْوُ وَالحَضْرُ
ولا تنكريني ، إنني غيرُ منكرٍ
إذا زلتِ الأقدامِ ؛ واستنزلَ النضرُ
وإني لجرارٌ لكلِّ كتيبة ٍ
معودة ٍ أنْ لا يخلَّ بها النصرُ
و إني لنزالٌ بكلِّ مخوفة ٍ
كثيرٌ إلى نزالها النظرُ الشزرُ
فَأَظمأُ حتى تَرْتَوي البِيضُ وَالقَنَا
وَأسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذّئبُ وَالنّسرُ
وَلا أُصْبِحُ الحَيَّ الخَلُوفَ بِغَارَة ٍ،
وَلا الجَيشَ مَا لمْ تأتِه قَبليَ النُّذْرُ
وَيا رُبّ دَارٍ، لمْ تَخَفْني، مَنِيعَة ٍ
طلعتُ عليها بالردى ، أنا والفجرُ
و حيّ ٍرددتُ الخيلَ حتى ملكتهُ
هزيماً وردتني البراقعُ والخمرُ
وَسَاحِبَة ِ الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَا
فلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ ، ولا وعرُ
وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ
و رحتُ ، ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ
و لا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنى
و لا باتَ يثنيني عن الكرمِ
و ما حاجتي بالمالِ أبغي وفورهُ ؟
إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى ،
ولا فرسي مهرٌ ، ولا ربهُ غمرُ !
و لكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء ٍ
فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ !
وقالَ أصيحابي: " الفرارُ أوالردى ؟ "
فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ
وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني،
وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ
يقولونَ لي: " بعتَ السلامة َ بالردى "
فَقُلْتُ: أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ
و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً ،
إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ؟
هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه،
فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ
و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ
كما ردها ، يوماً بسوءتهِ " عمرو"
يمنونَ أنْ خلوا ثيابي ، وإنما
عليَّ ثيابٌ ، من دمائهمُ حمرُ
و قائم سيفي ، فيهمُ ، اندقَّ نصلهُ
وَأعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطّمَ الصّدرُ
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ،
" وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ "
فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه
و تلكَ القنا ، والبيضُ والضمرُ الشقرُ
وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ
وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ
ولوْ سدَّ غيري ، ما سددتُ ، اكتفوا بهِ؛
وما كانَ يغلو التبرُ ، لو نفقَ الصفرُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا،
لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ
تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا،
و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ
أعزُّ بني الدنيا ، وأعلى ذوي العلا ،
وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ
***********
( أبو فراس الحمداني )

الجمعة، 25 ديسمبر 2009

العمل




العمل


ثم جاء إليه فلاح وقال له: هات حدثنا عن العمل


فأجاب قائلاً:


إنكم تشتغلون لكي تجاروا الأرض و نفس الأرض في سيرها


لأن الكسول غريب عن فصول الأرض و هائم لا يسير في موكب الحياة السائرة بعظمة و جلال في فضاء اللانهاية إلى غير المتناهي


فإذا اشتغلت فما أنت سوى مزمار تختلج في قلبك مناجاة الأيام فتتحول إلى موسيقى خالدةومن منكم يود أن يكون قصبة خرساء صماء و جميع ما حولها يترنم معا بأنغام متفقة ؟قد طالما أخبرتم أن العمل لعنة والشغل نكبة ومصيبة


أما أنا فأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءاّ من حلم الأرض البعيد جزءاً خصص لكم عند ميلاد ذلك الحلم فإذا واظبتم على العمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها و تدنيه من أبعد أسرارها

ولكن إذا كنتم وأنتم في الآلام تدعون الولادة كآبة و دعامة الجسد لعنة مكتوبة على جباهكم فإنني الحق أقول لكم إنه ما من شيء يستطيع أن يمحو هذه الكتابة و يغسل جباهكم من آثارها سوى سعيكم و جهادكم و قد ورثتم عن جدودكم القول إن الحياة ظلمة فرحتم في عهد مشقتكم ترددون ما قاله قبلكم جدودكم المزعجون


فالحق أقول لكم إن الحياة تكون بالحقيقة ظلمة حالكة إذا لم ترافقها الحركة

و الحركة تكون عمياء لا بركة فيها إن لم ترافقها المعرفة

و المعرفة تكون عقيمة سقيمة إن لم يرافقها العمل

و العمل يكون باطلاً و بلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة لأنكم إذا اشتغلتم بمحبة فإنما تربطون أنفسكم و أفرادكم بعضها ببعض و يرتبط كل واحد منكم بربه


وما هو العمل المقرون بالمحبة ؟


هو أن تحوك الرداء بخيوط مسحوبة من نسيج قلبك مفكراً أن حبيبك سيرتدي ذلك الرداء هو أن تبني البيت بحجارة مقطوعة من مقلع حنانك و إخلاصك مفكراً أن حبيبك سيقطن في ذلك البيت

هو أن تبذر البذور بدقة وعناية و تجمع الحصاد بفرح و لذة كأنك تجمعه لكي يقدم على مائدة حبيبك

هو ان تضع في كل عمل من أعمالك نسمة من روحك , وتثق بأن جميع الأموات الأطهار محيطون بك يراقبون ويتأملون


و كثيراً ما كنت أسمعكم تناجون أنفسكم كأنكم في نوم عميق قائلين : إن الذي يشتغل بنحت الرخام فيوجد مثالاً محسوساً لنفسه من الحجر الأصم هو أشرف من الفلاح الذي يحرث الأرض


و الذي يستعير من قوس قزح ألواناً يحول بها قطعة من النسيج الحقيرة إلى صورة إنسان هو أفضل من الاسكافي الذي يصنع الأحذية لأقدامنا "


ولكني أقول لكم لا في نوم الليل بل في يقظة الظهيرة البالغة إن الريح لا تخاطب السنديانة الجبارة بلهجة أحلى من اللهجة التي تخاطب بها أحقر أعشاب الأرض


والعظيم العظيم ذلك الذي يحول هيمنة الريه إلى أنشودة تزيدها محبته حلاوة و عذوبة أجل إن العمل هو الصورة الظاهرة للمحبة الكاملة


فإذا لم تقدر أن تشتغل بمحبة و كنت متضجرا ملولاً فلأجدر بك أن تترك عملك و تجلي على درجات الهيكل تلتمس صدقة من العملة المشتغلين بفرح وطمأنينة

لأنك إذا خبزت خبزاً و انت لا تجد لك لذة في عملك فإنما أنت تخبز علقماً لا يشبع سوى نصف مجاعة الإنسان


و إذا تذمرت و أنت تعصر عنبك فإن تذمرك يدس لك سماً في الخمرة المستقطرة من ذلك العصير


و إن أنشدت أناشيد الملائكة و لم تحب أن تكون منشداً فإنما أنت تصم آذان الناس بأنغامك عن الإصغاء إلى أناشيد الليل و النهار.




**********


من كتاب النبي


"لجبران خليل جبران"

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

(الضجر)





بالكاد اجر اصابعي لاكتب هذه الكلمات .واعتقد جازماً ان المسافه الفاصله بين السطر الذي انا فيه الآن ونهاية الصفحه تزيد على ثلاثة وعشرين ميلا بحريا .


لا اجد ما اقوله , وليس هناك شيء اهم من الآخر لكي اضعه أولا .ليس لدي أدنى إهتمام في أن أفعل شيئاً او أن أصبح شيئاً .

ما عندي فكره او رأي , رأسي أفرغ من باروكة القاضي وأكثر بعثاً على السأم من المسارح المحليه الصغيره حين يغادرها الممثلون .

لا أشعر اني مازلت حيا لو لم تصدر عني سعله تافهه من حين لآخر .لم أعد اهتم بأن اميز بين لحم البقر والضان ,ولاشيء يثيرني ,وأنا اتنفس الاختناق .

هاقد انقضى النهار وليلتي أتفه من أن أبذل فيها شمعه . وليس لأحد ان يستخرج مني ابتسامه أو آهه أو رأي . ولو قلتم لي أن الغد نهاية العالم , وأكدتم أن نيزكا سيرتطم بالأرض ويلغي الإنسان لقلت ببرود : (( حقاً ؟)) .

لقد غادرتني الأحاسيس , ربما لتزورأحدا ما في مدينة مورفيلدس , دون ان تستأذنني ودون ان تبلغني بموعد عودتها . جمجمتي مثل شقه في الطابق الأعلى في بيت في شارع جراب , فارغه معروضه للإيجار منذ زمن ,خاليه منذ زمن , ليس فيها قطعة أثاث واحده . أكتب كلماتي هذه بقوة التعود على سحب القلم لا بالاراده , مثل الدجاجه التي تستمر في الحركه بعد قطع رأسها .

كم أود لو يصيبني ألم مبرح , ووجع اسنان ممض . الألم احساس وحياه , والضجر موت .



**********

"تشارلس لامب"

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2009

الأمل

(لوحة الأمل)





***********

"جورج فريدريك واتس "