الاثنين، 26 أكتوبر 2009

من رسائل جبران الى مي.

نيويورك 23 آذار 1925


يا ماري


قد سببت لك تلك المحفظة الصغيرة القلق والانزعاج، فاغفري لي. ولقد توهمت أنني أرسلتها على أحسن السبل وأسهلها فجاءت النتيجة بالعكس، فسامحيني يا صديقتي الحلوة واكسبي أجري.


إذاً قد قصصت شعرك؟ قد قصصت تلك الذوائب الحالكة ذات التموجات الجميلة؟ ماذا يا ترى أقول لك؟ ماذا أقول وقد سبق المقص الملام؟ لا بأس، لا بأس. عليّ أن أصدق ما قاله لك ذلك المزين الروماني … رحم الله آباء جميع الرومانيين…





ولم تكتفي صديقتي المحبوبة بأنها أخبرتني عن تلك الخسارة الفادحة بل شاءت أن تزيد “على الطين بلة” فأخذت تحدث “فناناً شاعراً شغف بشعر الحضارة والشقرة، فهو لا يروقه إلا الشعر الذهبي، ولا يترنم إلا بجمال الشعر الذهبي، ولا يحتمل في الوجود إلا الرؤوس ذات الشعر الذهبي”


ربي وإلهي، اغفر لماري كل كلمة من كلماتها وسامحها واغمر هفواتها بأنوارك القدسية. أرها بالحلم أو باليقظة كثوليكية عبدك جبران في كل ما يتعلق بالجمال. إبعث رباه ملكاً من ملائكتك ليقول لها إن عبدك هذا يسكن صومعة ذات نوافذ عديدة، وإنه يرى مظاهر حسنك وجمالك في كل مكان وفي كل شيء. وإنه يترنم بجمال الشعر الحالك مثلما يترنم بالشعر الذهبي. وإنه يتهيب أمام العيون السوداء مثلما يتهيب أمام العيون الزرقاء، وأطلب إليك ربي وإلهي أن توعز إلى ماري ألا تهين وتحتقر الشعراء والفنانين بشخص عبدك جبران… آمين.


وبعد هذه الصلاة أتحسبين أنني أستطيع الكلام عن الذقون المطبوعة؟ كلا! غير أنني سوف أبحث في هذه المدينة عن مزين روماني وأسأله ما إذا كان بإمكانه تحويل الذقون المطبوعة إلى ذقون سهلة مستديرة- على البيكار! هذا ولما كنت ضليعاً بفن الجراحة فأنا لا أخشى عملية جراحية!


لنعد الآن إلى حال عينيك.


كيف حال عينيكِ يا ماري؟ أنتِ تعلمين، أنتِ تعلمين بقلبك أن حال عينيك يهمني إلى درجة قصوى. وكيف تسألين هذا السؤال وأنت تشاهدين بعينيك ما وراء الحجاب.أنت تعلمين أن القلب البشري لا يخضع إلى نواميس القياسات والمسافات وأن أعمق وأقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم إليها ونجد في الاستسلام لذة وراحة وطمأنينة مع أننا، مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها أو تحليلها. يكفي أنها عاطفة عميقة قوية قدسية. فلم السؤال ولم الشك؟ ومن منا يا ماري يستطيع أن يترجم لغة العالم الخفي إلى لغة العالم الظاهر؟ من منا يستطيع أن يقول “في روحي شعلة بيضاء أما أسبابها فكذا وكذا، وأما معناها فكذا وكذا، وأما نتائجها فستكون كذا وكذا”؟ كفى المرء أن يقول لنفسه ” في روحي شعلة بيضاء”.


قد سألت عينيك يا ماري لأنني كثير الاهتمام بعينيك، لأنني أحب نورهما، وأحب النظرات البعيدة فيهما، وأحب خيالات الأحلام المتموجة حولهما.


ولكن اهتمامي بعينيك لا يدل على أنني قليل الاهتمام بجبهتك وأصابعك.


الله يباركك يا ماري المحبوبة، ويبارك عينيك وجبهتك وأصابعك والله يحفظك دائماً

***********

جبران

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

الحرب




******

كان على المسافرين من روما بقطار الليل السريع أن يتوقفوا حتى الفجر في محطة نابيانو الصغيرة ليستأنفوا رحلتهم في قطار محلي يربط الخط الرئيس "بسلمونا".

وبدت إحدى عربات الدرجة الثانية مزدحمة ومليئة بالدخان بعد أن قضى فيها خمسة أشخاص ليلتهم، وفي الفجر اندفعت إلى هذه العربة امرأة ضخمة في ثياب سوداء - كحزمة لا شكل لها - وخلفها زوجها يزفر ويئن، رجل ضئيل الجسم نحيل معتل، وجهه شاحب شحوب الموت، وعيناه صغيرتان لامعتان، وفي حركاته خلل وارتباك.

وبعد أن جلس في مقعده شكر المسافرين في أدب على مساعدتهم لزوجته، وإفساحهم مكاناً لها، ثم استدار إلى المرأة وحاول أن يصلح من ياقة معطفها وهو يسألها في رقة.

- كيف أنت الآن يا عزيزتي؟

وبدلاً من أن تجيب الزوجة جذبت ياقة معطفها ثانية حتى حازت عينيها لكي تخفي وجهها.

وتمتم الزوج في ابتسامة حزينة "عالم قذر"

وشعر أن من واجبه أن يشرح لمرافقيه في السفر أن زوجته تستحق الشفقة لأن الحرب ستأخذ منها ابنها الوحيد وهو صبي في العشرين من عمره، كرس له كل منهما حياته بأكملها، حتى أنهما تركا بيتهما في سلمونا وتبعاه إلى روما حيث ذهب يطلب العلم، ثم سمحا له بالتطوع في الحرب ظناً منهما أن السلطات لن ترسل به إلى الجبهة قبل ست شهور على الأقل. والآن تلقيا منه فجأة برقية ينبئهما فيها أنه سيرحل في خلال أيام، ويطلب منهما الحضور لتوديعه.

وجلست المرأة تنتفض وتلتوي وتهمهم ما بين الحي والحين كالحيوان الجريح، كانت على ثقة من أن هذا التفسير من جانب زوجها لن يثير عطفاً في نفوس هؤلاء الناس الذين لا بد وأنهم يمرون بنفس المحنة التي تمر بها. وقال واحد منهم كان يصغي باهتمام واضح:

- اشكري الله لأن ابنك سيرحل اليوم. إن ابني سافر إلى الجبهة في أول يوم من أيام الحرب وقد عاد مرتين مجروحاً ثم أعيد من جديد إلى الجبهة.

وقال مسافر آخر:

- وماذا عني أنا؟ إن لي ولدين في الجبهة، وأبناء أخي الثلاثة.

وتجرأ الزوج وقال:

- قد يكون هذا صحيحاً ولكن في حالتنا إنه ابننا الوحيد.

- وما الفرق! إنك تستطيع أن تفسد ابنك الوحيد، بإغراقه بالاهتمام. ولكنك لا تستطيع أن تحبه أكثر من أبنائك الآخرين، إذا كان لك أبناء آخرون، إن الحب الأبوي ليس رغيفاً يقسم إلى قطع توزع بالتساوي بين الأبناء، إن الأب يعطي كل حبه لكل واحد من أبنائه من غير تمييز، سواءً أكانوا واحداً أم عشرة، وإن كنت لليوم أقاسي من أجل اثنين من أبنائي، فلا يعني هذا أني أقاسي النصف من أجل كل واحد منهم بل أنا في الواقع أقاسي الضعف.

وتنهد الزوج في ارتباك

- هذا صحيح ... ولكن افرض - لا أراك الله مكروها - أن لوالد ابنين في الجبهة، وفقد واحداً منهما، ولكن بقي الثاني ليعزيه ... بينما ...

وأجاب المسافر في غضب

- نعم ابن يعزيه، ابن يجب أن يعيش من أجله، بينما يستطيع الأب الذي يموت ابنه الوحيد أن يموت وراءه ويخلص من عذابه. أي الموقفين أسوأ؟ ألا ترى أن حالتي أسوأ من حالتك؟

وقطع الحديث مسافر آخر، رجل بدين أحمر الوجه، بعينين رماديتين محمرتين قائلاً.

- كلام فارغ!

كان يلهث وفي عينيه البارزتين تبدو قوة كامنة لحيوية لا يمكن السيطرة عليها قوة يكاد جسمه الضعيف يقصر عن احتوائها.

- كلام فارغ!

كرر الرجل هذه الكلمات وهو يغطي فمه بيده ليخفي بعض الأسنان المفقودة في مقدمة فمه.

- كلام فارغ! وهل نعطي أولادنا الحياة لمصلحتنا الخاصة!

وفي حزن تطلع إليه بقية المسافرين، وتنهد الرجل الذي ذهب ابنه إلى الجبهة في أول يوم من أيام الحرب وقال:

- أنت على حق، أولادنا ليسوا ملكاً لنا، أولادنا ملك للوطن ...

فأجاب الرجل البدين في سخرية

- ها! وهل نفكر في الوطن عندما نهب أولادنا الحياة! - إن أولادنا يولدون لأنهم ... لأنهم يجب أن يولدوا - وعندما يخرجون إلى الحياة يأخذون معهم حياتنا نحن وهذه هي الحقيقة. نحن نملك لهم وهم ليسوا ملكاً لنا. وعندما يبلغ الواحد منهم العشرين من عمره يصبح مثل ما كنا عليه في سنه، كان لكل منا أب وكانت له أم، ولكن إلى جانب الأب والأم كانت هناك أشياء كثيرة تملأ حياتنا، البنات والسجائر والأفكار الخيالية وربطات العنق الجديدة ... والوطن طبعا ... الوطن الذي كنا سنجيب نداءه في سن العشرين حتى لو اعترض الأب واعترضت الأم. والآن، ونحن في هذه السن الكبيرة، حبنا لوطننا كبير، ولكن أكبر منه حبنا لأولادنا، من منا لا يتمنى أن يأخذ مكان ابنه في الجبهة لو استطاع؟

وساد السكون وأحنى كل من الموجودين رأسه دلالة على الموافقة، واستمر الرجل البدين في كلامه؟

- فلم لا نقدر عواطف أبنائنا وهم في سن العشرين؟ أليس من الطبيعي أن يكون حبهم للوطن في هذه السن أعظم من حبهم لنا؟ وأنا بالطبع أتكلم عن الأولاد المهذبين، أليس من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك، وهم ينظرون إلينا نظرتهم إلى شيوخ ليس بوسعهم أن يتحركوا من مكانهم، ولا يملكون إلا أن يلزموا بيوتهم. وإذا كان الوطن موجوداً، وإذا كان ضرورة طبيعية، كالعيش لا بد لنا أن نأكل منه لكي لا نموت من الجوع، فلا بد إذاً من أن يذهب الناس للدفاع عنه، وأولادنا يذهبون وهم في العشرين. إنهم إن ماتوا يموتون في انفعال وسعادة - أنا أتكلم طبعاً عن الأولاد المهذبين.

وساد السكون وأحنى كل من الموجودين رأسه دلالة على الموافقة، واستمر الرجل البدين في كلامه؟

ودعنا الآن نزن الأمر، إذا مات الإنسان شاباً سعيداً، دون أن يعاني النواحي القبيحة في الحياة، ملل الحياة وتفاهتها، والمرارة الناتجة عن خيبة الأمل، فما الذي نريده خيراً من ذلك؟ يجب على كل منا أن يجفف دموعه. يجب على كل منا أن يضحك كما أفعل أنا، أو على الأقل أن يشكر الله - كما أفعل أنا - لأن ابني قبل أن يموت أرسل إلي يقول أنه راض سعيد لأن حياته ستنتهي خير نهاية كان يتمناها لنفسه. ولهذا لا ألبس ملابس الحداد كما ترون.

وهز معطفه الفاتح وكأنه يريهم لونه، وكانت شفته العليا ترتعش فوق أسنانه المفقودة، وعلى عينيه الجامدتين غشاء من دموع، ثم أنهى كلامه بضحكات رفيعة أشبه بالعويل.

ووافق الجميع على كلامه.

وكانت المرأة التي تكومت ركن من الديوان، مختفية في طيات معطفها تجلس وتنصت. كانت هذه المرأة قد حاولت خلال الشهور الثلاثة السابقة أن تجد في كلام زوجها وأصدقائها شيئاً يسري عنها حزنها العميق، شيئاً يريها كيف تستطيع أمٌ أن تسلم بإرسال ابنها، إلى الموت بل حتى إلى خطر محتمل، ولكنها لم تجد بين الكلمات الكثيرة التي قيلت كلمة واحدة تعزيها، وتضاعف حزنها حين حسبت أن إنساناً ما لا يشاركها مشاعرها.

ولكن الآن .. نفذت كلمات المسافر إلى قلبها وأدهشتها وأدركت فجأة أن الآخرين لم يكونوا مخطئين ولم يعجزوا عن فهمها بل هي التي كانت مخطئة. هي التي لم تستطع أن تسمو إلى مستوى الآباء والأمهات الذي استطاعوا أن يسلموا دون أن يبكوا، يسلموا لا برحيل أبنائهم فحسب بل بموتهم. ورفعت رأسها، ومالت إلى الأمام، تحاول أن تنصت باهتمام كبير إلى التفاصيل التي يرويها الرجل البدين عن ابنه، كيف مات، وكيف سقط كبطل من أجل مليكه ووطنه، سعيداً وبلا ندم. وخيل إليها أنها قد دخلت فجأة عالماً لا عهد لها به. واشتد سرورها حين بدأ المسافرون يهنئون الأب الشجاع الذي استطاع أن يتحدث عن موت ابنه برباطة جأش هكذا.

ثم فجأة وكأنها لم تسمع شيئاً مما قيل، وكأنها تستيقظ من حلم، فجأة التفتت إلى الرجل البدين وسألته:

- إذاً ... فقد مات ابنك حقاً؟

وتطلع إليها الجميع واستدار الرجل البدين أيضاً، ونظر إليها، وثبّت في وجهها عينيه الكبيرتين المنبعجتين الرماديتين وقد كستهما طبقة رقيقة من الدموع. وحاول أن يجيب، ولكن الكلمات خانته ونظر إليها واستمر ينظر إليها، كما لو كان قد أدرك إذ ذاك فقط، بعد هذا السؤال الأحمق الخال من الكياسة، وأدرك فجأة وأخيراً أن ابنه قد مات حقاً، ذهب إلى الأبد - دون رجعة، وتقلص وجهه وانقلبت ملامحه بشكل مخيف ثم انتزع منديلاً من جيبه في سرعة. وأثار دهشة الجميع حين انخرط في عويل مؤلم يهز القلوب - عويل جارف لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه .

"تمت"

**********

( لويجي بيراندللو )

في ضوء القمر....





"اكتسب الأب "مارينيان" بحق اسم " جندي الله " كان قساً طويلاً نحيلا ًمتعصباً إلى حد ما. و لكنه كان ‏عادلاً وذا نفس متسامية و كانت معتقداته ثابتة لا تتغير و لا تتبدل فهو يعتقد انه يفهم حكمة الله فهماً واعياً كاملاً . ‏
و كان أحيانا يتساءل و هو يتمشى في ممر حديقته في البلدة الصغيرة التي يعمل بها فيها " لماذا فعل الله ‏ذلك ؟" و يفكر جاهداً و يرض عن نفسه في اغلب الأحيان إذ يجد الجواب و لم يكن الأب
‏" مارينيان " من ذلك النوع من الرجال الذي يهمس في خشوع " إن سبلك يا ربي أعظم من أن تدركها ‏مدارك الرجال " بل كان يقول " أنا خادم الله و علي أن أعرف السبب في أفعاله أو أن أتبين السبب إن لم ‏اعرفه " و خيل إليه أن كل شيء في الطبيعة قد خلق بمنطق مطلق جدير بالإعجاب، و أن هناك دائماً توازناً ‏بين الأشياء و مسبباتها، فالشروق وجد ليبعث البهجة في نفس الإنسان و هو يستيقظ، و النهار وجد لينضج ‏المحاصيل، و الأمطار لترويها، و الأمسيات ليستعد الإنسان للنوم و الليل الحالك للنوم، و الفصول الأربعة ‏تتفق تماماً و حاجيات الزراعة . و كان من المستحيل أن يداخل الشك الأب " مارينيان " في أن الطبيعة لا ‏هدف لها. و أن كل كائن حي هو الذي يكيف نفسه وفقا للظروف القاسية للفصول و الأجواء و المادة ذاتها.‏
و لكنه كان يكره النساء . كان يكرهن من أعماقه، و يحتقرهن بالغريزة، و كان دائماً يردد قول المسيح
‏" مالي و لك يا امرأة " و كان يضيف قائلاً أن الإنسان يستطيع القول إن الله ذاته غير راض عن المراة ‏التي خلقها.و كانت المرأة بالنسبة إليه هي الغاوية التي أغوت الإنسان الأول و ما زالت تزاول نشاطها ‏الملعون، و هي المخلوق الضعيف الخطير الذي يسبب قلقاً خفياً. و كان يكره روحها المتعطشة إلى الحب ‏أكثر مما يكره جمالها المسموم و كثيراً ما شعر بحنان النساء يداهمه فيضيق بذلك الحب الذي ينتفض دائماً ‏و أبداً في صدورهن رغم انه يعرف انه منه في حصن حصين.‏
و كان يعتقد أن الله خلق المراة لتغوي الرجل و تختبره و أن على الرجل ألا يقربها إلا و هو متسلح بالحرص ‏الذي يتسلح به و هو مقبل على كمين، فالمرأة في الواقع ليست إلا مصيدة بذراعيها الممدودتين و بشفتيها ‏المفتوحتين في انتظار الرجل. ‏
و كان الأب " مارينيان " لا يحترم ألا الراهبات اللاتي جردهن القسم من الهوى و مع ذلك كان يعاملهن ‏معاملة قاسية. إذ يلمح هذا الحنان الخالد الذي يخفق حتى في أعماق هذه القلوب الطاهرة يخفق دائماً و ‏يخفق حتى هو له و هو القس.‏
و كانت له ابنة أخت تعيش مع أمها في منزل صغير قريب من منزله و كان قد صمم على أن يجعل منها ‏راهبة. و كانت رقيقة خفيفة تتعمد إغاظته باستمرار. و عندما يعظ تضحك و عندما يغضب تقبله في حرارة و ‏تضمه إلى قلبها بينما يسعى هو بلا وعي إلى تخليص نفسه من بين ذراعيها ومع ذلك كانت تلك الضمة تثير ‏في نفسه إحساسا حلواً، كان توقظ في قلبه ذلك الشعور الراقد في أعماق كل رجل. ‏
و كثيراً ما حدثها عن الله، عن ربه و هو يمشي إلى جوارها في الحقول و نادراً ما أنصتت إليه. كانت تنظر ‏إلى السماء و إلي العشب و إلى الزهور و عيناها تلمعان بفرحة الحياة و كانت تجري أحياناً لتمسك بفراشة ‏ثم تعود بها و هي تصيح " أنظر انظر يا خالي كم هي جميلة بودي أن اقبلها" و كانت هذه الرغبة من جانب ‏الفتاة في تقبيل الفراش و الزهور تزعج الأب و تضايقه و تثيره فقد رأي فيها دليلا على ذلك الحنان الدائم ‏الذي ينبض في قلب كل امرأة.‏
و في يوم من الأيام أخبرت مدبرة البيت الأب " مارينيان " أن ابنة أخته قد اتخذت لنفسها حبيباً.‏
و عانى الأب إحساسا مؤلما. وقف مختنقا و الصابون يغطي وجهه و هو يحلق و عندما استعاد القدرة على ‏الكلام صاح :‏
‏- كذب كذب .. أنت تكذبين يا " مالينا"‏
و لكن المرأة القروية وضعت يدها على قلبها و قالت :‏
‏- ليعاقبني الله أن كنت أكذب يا سيدي القس أنها تذهب إليه كل ليلة بعد أن تنام أختك و هما يتقابلان بجانب ‏النهر، و ما عليك إلا أن تذهب إلى هناك ما بين الساعة العاشرة و منتصف الليل و ستراها بنفسك.‏

و توقف الأب عن حك ذقنه و بدأ يذرع الحجرة بسرعة كما يفعل عندما يستغرق في تفكير عميق. و عندما ‏حاول أن يكمل حلاقة ذقنه جرح نفسه ثلاث جروح امتدت من الأنف إلى الأذن.‏

و ظل طول اليوم ساكناً و قد امتلأ غضباً و ثورة فإلى جانب كرهه الطبيعي للحب شعر أن كرامته قد أهينت ‏كأب و معلم و كراعي نفوس، شعر أن طفلة قد خدعته و سخرت منه و سلبته شيئاً يملكه. شعر بهذا الحزن ‏الأناني الذي يشعر به الوالدان حين تخبرهم ابنتهما أنها اختارت لنفسها زوجاً دون مشورتهما و ضد ‏المشورة.‏
و بعد العشاء حاول أن يقرأ قليلاً و لكنه لم يستطع أن يكيف نفسه للقراءة و ازداد غضبا على غضب. و ‏عندما أعلنت الساعة العاشرة أخذ عصاه و هي عصا غليظة من خشب البلوط يحملها عادة حين يخرج ليلاً ‏لزيارة المرضى و ابتسم و هو يراقب العصا الغليظة و قد استقرت في قبضة يده القوية. و أدار العصا في ‏الهواء مهدداً ثم رفعها فجأة و هو يجز بأسنانه و انهال على كرسي فحطم ظهره.‏
و فتح باب بيته ليخرج و لكنه توقف عند بابه منبهراً . كان بهاء القمر رائعاً روعة نادرة، و استجابت روحه ‏السامية لما حوله و شعر فجأة أن جمال الليل الشاحب و جلاله و بهاؤه قد حرك قلبه. و في حديقته الصغيرة ‏التي سبحت في ضياء باهت عكست أشجار الفواكه ظلالها على ممر الحديقة، أغصان رقيقة من الخشب ‏تكسوها الخضرة و من الزهور المتسلقة على الحائط انبعثت رائحة لذيذة حلوه علقت كروح عطرة بالليل ‏الدافئ الصحو. ‏
و بدأ يتنفس تنفساً عميقاً و يحتسي الهواء كما يحتسي السكير الخمر و سار ببطء مسحوراً مبهوراً حتى كاد ‏ينسى ابنة أخته و عندما وصل إلى بقعة عالية وقف يراقب الوادي أجمعه و قد امتد تحت بصره و بهاء ‏القمر يحتضنه و سحر الليل الهادئ الحنون يغرقه و نقيق الضفادع يتردد في نغمات قصيرة و البلابل عن ‏بعد أشجاها القمر فتغنت و اختلط غناؤها في موسيقي لا تثير الفكر و إنما تثير الأحلام.‏
و استمر الأب يمشي و هو لا يعرف لم تخلت عنه شجاعته فقد شعر كما لو أن التعب و الإرهاق قد تسربا ‏إليه، وود لو يجلس أو يتوقف حيث هو ليحمد الله على ما صنعت يداه.‏
و تحت بصره و حول منحنى النهر امتد صفان طويلان من الأشجار و فوق شطي النهر سبحت سحابة خفيفة ‏بيضاء تخللتها أشعة القمر فأضفت عليها لون الفضة و بريقها.‏
و توقف الأب من جديد و قد نفذ إلى أعماقه شعور قوي متزايد و استولى عليه دون شك القلق و شعر أن ‏سؤالاً من الأسئلة التي تلح عليه أحياناً يدور في عقله.‏
لماذا فعل ذلك الله ! إذا كان الليل للنوم، للإغفاء ، للراحة، للعدم ، فلماذا كان أكثر سحراً من النهار، و أحلى ‏من الغروب و الشروق ؟ و هذا الكوكب المبطئ الخلاب الذي يغلب جماله على جمال الشمس، و الذي يضئ ‏الكائنات بنور رقيق يستعصي على الشمس... هذا الكوكب لم يشرق لينير الظلال ؟ و لم لا يأوي البلبل ‏الصداح إلى النوم كغيره من الطيور و لم هذا الحس الذي يتسلل إلى الروح و هذا الخمول الذي يغزو الجسد ‏؟؟ و لم هذا الوشاح الذي ينبسط على الأرض، و هذا السحر الذي لا ينعم به الإنسان إذ يأوي إلى فراشه ‏بالليل ؟؟ لمن خلق الله هذا الجلال، هذا الفيض من الشعر الذي يتدفق من السماء إلى الأرض؟ و لم يجد الأب ‏لهذه الأسئلة التي ثارت في نقسه جواباً.‏
و في طرف المرعى ظهر ظلان يمشيان جنباً إلى جنب تحت الأشجار المتعانقة الغارقة في الضباب الفضي.‏
و كان الرجل هو الأطول، و قد التفت ذراعه حول عنق حبيبته و من وقت لآخر كان يقبلها في جبينها. و ‏فجأة دبت الحياة في الطبيعة المهجورة التي أحاطت بهم و كأنها إطار الهي صنع خصيصاً من اجلهم و بدا ‏الشخصان و وكأنهما كائن واحد. الكائن الذي خلق من اجله الليل الهادئ الساكن، و اقتربا من القس كإجابة ‏حية على سؤاله أجابه بعث بها إليه ربه الأعلى.‏
وقف الأب مصعوقاً و قلبه ينبض بشدة. و تمثل قصص الإنجيل كقصة حب روث ‏Ruth‏ و بوز ‏Boaz‏ و ‏إرادة الله تتحقق في القصص الجليلة التي وردت في الكتاب المقدس. و في رأس القس ترددت آيات نشيد ‏الإنشاد، الصرخات الوالهة و نداء الجسد و الشعر الجميل في هذه القصيدة التي تتأجج حناناً و حباً و قال ‏لنفسه " ربما خلق الله مثل هذه الليلة إطاراً لمثله الأعلى ... لحب الإنسان"‏
و تراجع بعيداً عن الحبيبين اللذين تقدما يداً في يد كانت فعلا ابنة أخته . و كان الأب " مارينيان" يتساءل ‏الآن ... الم يكن على وشك الخروج على طاعة الله ؟ فلو لم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل ذلك ‏الإطار من الجمال.‏
و هرب الأب مندهشاً و هو يكاد يشعر بالخجل، كما لو كان قد اجتاز هيكلاً مقدساً لا حق له في اجتيازه.‏

تمت


***********************

(جي دي موباسان)

لا تصالح



(1 )


لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!



(2)


لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!



(3)


لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!



(4)


لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف



(5)


لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!



(6)


لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!



(7)


لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ



(8)


لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!



(9)


لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!



(10)


لا تصالحْ
لا تصالحْ


***************


(أمل دنقل)

الخميس، 22 أكتوبر 2009

فيتو على نون النسوة

(1)

يقولونَ:
إنَّ الكتابةَ إثمٌ عظيمٌ..
فلا تكتبي.
وإنَّ الصلاةَ أمام الحروف...حرامٌ
فلا تقربي.
وإنَّ مدادَ القصائدِ سمٌ...
فإياكِ أن تشربي.
وها أنذا
قد شربتُ كثيراً
فلم أتسممْ بحبر الدواةِ على مكتبي
وها أنذا...
قد كنتُ كثيراً
واضرمتُ في كلِّ نجمٍ حريقاً كبيراً
فما غضبَ اللهُ يوماً عليَّ
ولا استاءَ مني النبي...
(2)
يقولونَ:
إنَّ الكلامَ إمتيازُ الرجالِ...
فلا تنطقي!!
وإنَّ التغزلَ فنُّ الرجالِ...
فلا تعشقي!!
وإنَّ الكتابةَ بحرٌ عميقُ المياهِ
فلا تغرقي...
وها أنذا قد عشقتُ كثيراً...
وها انذا قد سبحتُ كثيراً...
وقاومتُ كلَّ البحارِ ولم أغرقِ...

(3)

يقولونَ:
إني كسرتُ بشعري جدارَ الفضيلهْ
وإنَّ الرجالَ همُ الشعراءْ
فكيفَ ستولدُ شاعرةٌ في القبيلهْ؟؟
وأضحكُ من كلِ هذا الهراءْ
وأسخرُ ممنْ يريدونَ في عصرِ حربِ الكواكبِ..
وأدَ النساءْ..
وأسألُ نفسي:
لماذا يكونُ غناءُ الذكورِ حلالاً
ويصبحُ صوتُ النساءِ رذيلهْ؟
(4)

لماذا؟
يقيمونَ هذا الجدارَ الخرافيَّ
بينَ الحقولِ وبين الشجرْ
وبينَ الغيومِ وبين المطرْ
وما بين أنثى الغزالِ،وبين الذكرْ؟
ومن قالَ:للشعرِ جنسٌ؟
وللنثر جنسٌ؟
وللفكرِ جنسٌ؟
ومن قالَ إن الطبيعةَ
ترفضُ صوتَ الطيورِ الجميلهْ؟
(5)

يقولونَ:
إني كسرتُ رخامةَ قبري...
وهذا صحيحْ.
وإني ذبحتُ خفافيشَ عصري...
وهذا صحيحْ.
وإني اقتلعتُ جذورَ النفاقِ بشعري
وحطمتُ عصرَ الصفيحْ
فإن جرحوني...
فأجملُ ما في الوجودِ غزالٌ جريحْ
وإن صلبوني.فشكراً لهمْ
لقد جعلوني بصفِّ المسيحْ...
يقولونَ:
إن الأنوثةَ ضعفٌ
وخيرُ النساءِ هي المرأةُ الراضيهْ
وإنَّ التحررَ رأسُ الخطايا
وأحلى النساء هي المرأةُ الجاريهْ
يقولونَ:
إنَّ الأدبياتِ نوعٌ غريبٌ
من العشبِ...ترفضهُ الباديهْ
وإنَّ التي تكتبُ الشعرَ...
ليستْ سوى غانيهْ!!
وأضحكُ من كلِ ما قيل عني
وأرفضُ أفكارَ عصر التنكْ
ومنطقِ عصر التنكْ
وأبقى أغني على قمتي العاليهْ
وأعرفُ أنَّ الرعودَ ستمضي...
وأنَّ الزوابعَ تمضي...
وأنَّ الخفافيشَ تمضي...
وأني أنا الباقيهْ...
*******
"سعاد الصباح"

الأطلال





****************


يـا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى ............... كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ.............. وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً.................. وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى

وَبِسَــاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ ................... هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى

**************

يَارِيَاحاً لَيْسَ يَهْدا عَصْفُهَا ............... نَضَبَ الزَّيْتُ وَمِصْبَاحِي انْطَفَا


وَأَنَا أَقْتَاتُ مِنْ وَهْمٍ عَفَا.. ..................... وَأَفي العُمْرَ لِنِاسٍ مَا وَفَى


كَمْ تَقَلَّبْتُ عَلَى خَنْجَرِهِ ...................... لاَ الهَوَى مَالَ وَلاَ الجَفْنُ غَفَا

وَإذا القَلْبُ عَلَى غُفْرانِهِ........................... كُلَّمَا غَارَ بَهِ النَّصْلُ عَفَا

***************

يَاغَرَاماً كَانَ مِنّي في دّمي ..................... قَدَراً كَالمَوْتِ أَوْفَى طَعْمُهُ

مَا قَضَيْنَا سَاعَةً في عُرْسِهِ ....................... وقَضَيْنَا العُمْرَ في مَأْتَمِهِ

مَا انْتِزَاعي دَمْعَةً مِنْ عَيْنَيْهِ....................... وَاغْتِصَابي بَسْمَةً مِنْ فَمِهِ

لَيْتَ شِعْري أَيْنَ مِنْهُ مَهْرَبي...................... أَيْنَ يَمْضي هَارِبٌ مِنْ دَمِهِ

***************

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني ............................ بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ

وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ................................ مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْقْ

آهِ يَا قِبلَةَ أَقْدَامي إِذَا ................................ شَكَتِ الأَقْدَامُ أَشْوَاكَ الطَّرِيْقْ

وبريقاً يَظْمَاُ السَّاري لَهُ .............................. أَيْنَ في عَيْنَيْكِ ذَيَّاكَ البَرِيْقْ

***************

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ أَغْرَيْتِني ........................ بِالذُّرَى الشُّمِّ فَأَدْمَنْتُ الطُّمُوحْ

أَنْتِ رُوحٌ في سَمَائي .......................... وَأنَا لَكِ أَعْلُو فَكَأَنّي مَحْضُ رُوحْ


يَا لَهَا مِنْ قِمَمٍ كُنَّا بِهَا .................................... نَتَلاَقَى وَبِسِرَّيْنَا نَبُوحْ

نَسْتَشِفُّ الغَيْبَ مِنْ أَبْرَاجِهَا .................... وَنَرَى النَّاسَ ظِلاَلاً في السُفُوحْ

***************

أَنْتِ حُسْنٌ في ضُحَاهُ لُمْ يَزَلْ ............................ وَاَنَا عِنْدِيَ أَحْزَانُ الطَّفَلْ

وَبَقَايَا الظِّلِّ مِنْ رَكْبٍ رَحَلْ ............................ وَخُيُوطُ النُّورِ مِنْ نَجْمٍ أَفَلْ


أَلْمَحُ الدُّنْيَا بِعَيْنيْ سَئِمٍ ................................. وَأَرَى حَوُلِيَ أَشْبَاحَ المَلَلْ


رَاقِصاتٍ فَوْقَ أَشْلاْءِ الهَوَى........................... مُعْولاَتٍ فَوْقَ أَجْدَاثِ الأَمَلْ

***************

ذَهَبَ العُمْرُ هَبَاءً فَاذْهَبي ................................. لَمْ يَكُنْ وَعْدُكِ إلاَ شَبَحَا

صَفْحَةً قَدْ ذَهَبَ الدَّهْرُ بِهَا ................................ أَثْبَتَ الحُبَّ عَلَيْهَا وَمَحَا


اُنْظُري ضِحْكِي وَرَقْصي فَرِحاً................................ وَأَنَا أَحْمِلُ قَلْباً ذُبِحَا

وَيَرَاني النَّاسُ رُوحَاً طَائِراً ........................ وَالجَوَى يَطْحَنُنِي طَحْنَ الرَّحَى

***************

كُنْتِ تِمْثَالَ خَيَالي فَهَوَى ................................. المَقَادِيْرُ أَرَادَتْ لاَ يَدِي

وَيْحَهَا لَمْ تَدْرِ مَاذا حَطَّمَتْ .......................... حَطَّمَتْ تَاجي وَهَدَّتْ مَعْبَدِي


يَا حَيَاةَ اليَائِسِ المُنْفَرِد ِ.................................... يَا يَبَاباً مَا بِهِ مِنْ أَحَدِ


يَا قَفَاراً لافِحَاتٍ مَا بِهَا ............................... مِنْ نَجِيٍّ .. يَا سُكُونَ الأَبَدِ

***************

أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ................................. فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ

وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً............................ ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ

عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى..........................سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ


مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ............................... لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ


***************

أَيْنَ مِنّي مَجْلِسٌ أَنْتَ بِهِ.................................... فِتْنَةٌ تَمَّتْ سَنَاءٌ وَسَنَى

وَأَنَا حُبٌّ وَقَلْبٌ ودم......................................... وَفراش حَائِرٌ مِنْكَ دَنَا


وَمِنَ الشَّوْقِ رَسُولٌ بَيْنَنَا...................................... وَنَدِيْمٌ قَدَّمَ الكَاْسَ لَنَا


وَسَقَانَا فَانْتَفَضْنَا لَحْظَةً........................................... لِغُبَارٍ آدَمِيٍّ مَسَّنَا

***************

قَدْ عَرَفْنَا صَوْلَةَ الجِسْمِ الّتِي............................ تَحْكُمُ الحَيَّ وَتَطْغَى في دِمَاهْ

وَسَمَعْنَا صَرْخَةً في رَعْدِهَا.................................. سَوْطُ جَلاَّدٍ وَتَعْذِيْبُ إلَهْ


أَمَرَتْنَا فَعَصَيْنَا أَمْرَهَا.................................... وَأَبَيْنَا الذُلَّ أَنْ يَغْشَى الجِبَاهْ

حَكَمَ الطَّاغي فَكُنَّا في العُصَاهْ........................... وَطُرِدْنَا خَلْفَ أَسْوَارِ الحَيَاهْ

***************

يَا لَمَنْفِيَّيْنِ ضَلاَّ في الوُعُورْ........................... دَمِيَا بِالشَّوْكِ فيْهَا وَالصُّخُورْ

كُلَّمَا تَقْسُو اللَّيَالي عَرَفَا.......................... رَوْعَةَ اللآلامِ في المَنْفَى الطَّهُورْ


طُرِدَا مِنْ ذَلِكَ الحُلْمِ الكَبِيْرْ.......................... لِلْحُظُوظِ السُّودِ واللَّيْلِ الضَّريْرْ


يَقْبَسَانِ النُّورَ مِنْ رُوحَيْهِمَا............................... كُلَّمَا قَدْ ضَنَّتِ الدُّنْيا بِنُورْ

***************

أَنْتِ قَدْ صَيَّرْتِ أَمْرِي عَجَبَا.............................. كَثُرَتْ حِوْليَ أَطْيَارُ الرُّبَى

فَإِذا قُلْتُ لِقَلْبي سَاعَةً.................................... قُمْ نُغَرِّدْ لِسِوَى لَيْلَى أَبَى


حَجَبَتْ تَأْبى لِعَيْني مَأْرَبَا.................................... غَيْرُ عَيْنَيْكِ وَلاَ مَطَّلَبَا


أَنْتِ مَنْ أَسْدَلَهَا لا تَدَّعي................................ أَنَّني أسْدَلْتُ هَذي الحُجُبَا

***************

وَلَكَمْ صَاحَ بِيَ اليَأْسُ انْتزِعْهَا......................... فَيَرُدُّ القَدَرُ السَّاخِرُ: دَعْهَا

يَا لَهَا مِنْ خُطَّةٍ عَمْيَاءَ لَوْ............................... أَنَّني اُبْصِرُ شَيْئاً لَمْ اُطِعْهَا

وَلِيَ الوَيْلُ إِذَا لَبَّيْتُهَا ..................................... وَلِيَ الوَيْلُ إِذا لَمْ أَتَّبِعْهَا

قَدْ حَنَتْ رَأْسي وَلَو كُلُّ القِوَى....................... تَشْتَري عِزَّةَ نَفْسي لَمْ أَبِعْهَا

***************

يَاحَبِيْباً زُرْتُ يَوْماً أَيْكَهُ................................. طَائِرَ الشَّوْقِ اُغَنّي أَلَمي

لَكَ إِبْطَاءُ المُدلِّ المُنْعِمِ.................................... وَتَجَنّي القَادرِ المُحْتَكِمِ

وَحَنِيْني لَكَ يَكْوي أَضْلُعي............................ وَالثَّوَاني جَمَرَاتٌ في دَمي

وَأَنَا مُرْتَقِبٌ في مَوْضِعي ............................. مُرْهَفُ السَّمْعِ لِوَقْعِ القَدَمِ

***************


قَدَمٌ تَخْطُو وَقَلْبي مُشْبِهٌ............................... مَوْجَةً تَخْطُو إِلى شَاطِئِهَا

أيُّهَا الظَّالِمُ بِاللَّهِ إلَى كَمْ.............................. أَسْفَحُ الدَّمْعَ عَلَى مَوْطِئِهَا

رَحْمَةٌ أَنْتَ فَهَلْ مِنْ رَحْمَةٍ ............................ لِغَريْبِ الرّوحِ أَوْ ظَامِئِهَا

يَا شِفَاءَ الرُّوحِ رُوحي تَشْتَكي .......................... ظُلْمَ آسِيْهَا إِلى بَارِئِهَا

***************

أَعْطِني حُرِّيَتي اَطْلِقْ يَدَيَّ....................... إِنَّني أَعْطَيْتُ مَا اسْتَبْقَيْتُ شَيَّ

آهِ مِنْ قَيْدِكَ أَدْمَى مِعْصَمي............................. لِمَ اُبْقِيْهِ وَمَا أَبْقَى عَلَيَّ

مَا احْتِفَاظي بِعُهُودٍ لَمْ تَصُنْهَا......................... وَإِلاَمَ اللأَسْرُ وَالدُّنْيا لَدَيَّ

هَا أَنَا جَفَّتْ دُمُوعي فَاعْفُ عَنْهَا....................... إِنّهَا قَبْلَكَ لَمْ تُبْذَلْ لِحَيَّ

***************

وَهَبِ الطَّائِرَ عَنْ عُشِّكَ طَارَا....................... جَفَّتِ الغُدْرَانُ وَالثَّلْجُ أَغَارَا


هَذِهِ الدُّنْيَا قُلُوبٌ جَمَدَتْ........................... خَبَتِ الشُّعْلَةُ وَالجِمْرُ تَوَارَى

وَإِذا مَا قَبَسَ القَلْبُ غَدَا........................... مِنْ رَمَادٍ لاَ تَسَلْهُ كَيْفَ صَارَا

لاَ تَسَلْ واذْكُرْ عَذابَ المُصْطَلي....................... وَهُوَيُذْكِيْهِ فَلاَ يَقْبَسُ نَارَا

***************

لاَ رَعَى اللّه مَسَاءً قَاسِياً........................... قَدْ أَرَاني كُلَّ أَحْلامي سُدى

وَأَرَاني قَلْبَ مَنْ أَعْبُدُهُ.......................... سَاخِراً مِنْ مَدْمَعي سُخْرَ العِدَا

لَيْتَ شِعْري أَيُّ أَحْدَاثٍ جَرَتْ........................أَنْزَلَتْ رُوحَكَ سِجْناً مُوصَدا

صَدِئَتْ رُوحُكَ في غَيْهَبِهَا......................... وَكَذا الأَرْوَاحُ يَعْلُوهَا الصَّدا

***************

قَدْ رَأَيْتُ الكَوْنَ قَبْراً ضَيِّقاً......................... خَيَّمَ اليَاْسُ عَلَيْهِ وَالسُّكُوتْ

وَرَأَتْ عَيْني أَكَاذيْبَ الهَوَى......................... وَاهِيَاتٍ كَخُيوطِ العَنْكَبُوتْ


كُنْتَ تَرْثي لِي وَتَدْري أَلَمي..................... لَوْ رَثَى لِلدَّمْعِ تِمْثَالٌ صَمُوتْ

عِنْدَ أَقْدَامِكَ دُنْيَا تَنْتَهي............................... وَعَلَى بَابِكَ آمَالٌ تَمُوتْ

***************


كُنْتَ تَدْعونيَ طِفْلاُ كُلَّمَا.............................. ثَارَ حُبّي وَتَنَدَّتْ مُقَلِي

وَلَكَ الحَقُّ لَقَدْ عَاِشَ الهَوَى.......................... فيَّ طِفْلاً وَنَمَا لَم يَعْقَلِ

وَرَأَى الطَّعْنَةَ إذْ صَوَّبْتَهَا............................. فَمَشَتْ مَجْنُونةً لِلْمَقْتَلِ

رَمَتِ الطِّفْلَ فَأَدْمَتْ قَلْبَهُ............................. وَأَصَابَتْ كِبْرِيَاءَ الَّرجُلِ

***************


قُلْتُ لِلنَّفْسِ وَقَدْ جُزْنَا الوَصِيْدَا....................عَجِّلي لا يَنْفَعُ الحَزْمُ وَئِيْدَا

وَدَعي الهَيْكَلَ شُبَّتْ نَارُهُ......................... تَأكُلُ الرُّكَّعَ فِيْهِ وَالسُّجُودَا

يَتَمَنّى لي وَفَائي عَوْدَةً................... وَالهَوَى المَجْرُوحُ يَاْبَى أَنْ نَعُودَا

لِيَ نَحْوَ اللَّهبِ الَّذاكي بِهِ........................ لَفْتَةُ العُودِ إِذا صَارَ وُقُوداً

***************


لَسْــــتُ أَنْـــــسَى أَبَـــــــــــدا..................... سَــــــــاعَةً في العُمُــــــرِ

تَحْـتَ رِيْــــــــحٍ صَفَّقَــتْ.......................... لارْتِقَـــاصِ المَطَـــــــــــرِ

نَوَّحَـــتْ لِلذّكَــــــــرِ........................... وَشَكَـــتْ لِلْقَمَـــــــــــــــــــــرِ

وَإِذا مَـــــــا طَـــرِبَتْ......................... عَـرْبَدَتْ في الشَّجَـــــــــــــــــرِ

***************

هَاكَ مَـــــــا قَدْ صَبَّتِ....................... الرِّيْحُ بِاُذْنِ الشَّاعِــــــــــــــــــرِ
وَهْيَ تُغْـــري القَــــلْبَ.......................إِغْرَاءِ النَّصِيْـــحِ الفَاجِـــــــــــرِ

***************

أَيُّهَــــا الشَّــــــاعِرُ تَغْفـــــو...................... تَذْكُرُ العَهْدَ وَتَصْحــــــــــو

وَإِذا مَــــــا إَلتَأَمَ جُرْحٌ......................... جَدَّ بِالتِذْكَــــــــارِ جُـــــــرْحُ

فَتَعَلَّمْ كَيْـــفَ تَنْسى..............................وَتَعَلَّمْ كَيْـــفَ تَمْحــــــــــــــو

أَوَ كُلُّ الحُبِّ في رَأْيِـــــكَ.......................... غُفْــــــــــــرَانٌ وَصُفْــحُ

***************


هَــــــاكَ فَانْظُرْ عَدَدَ......................الرَّمْلِ قُلُوبــــــــاً وَنِسَــــــــــــاءْ

فَتَخَيَّرْ مَــــا تَشَــــــاءْ.........................ذَهَبَ العُمْــــــرُ هَبَــــــــــاءْ

ضَلَّ في الأَرْضِ الّــذي.....................يَنْشُدُ أَبْنَــــــــاءَ السَّمَــــــــــاءْ

أَيُّ رُوحَانِيَّةٍ تُعْصَـــــرُ............................ مِنْ طِيْنٍ وَمَــــــــــــاءْ

***************

أَيُّهَا الرِّيْـــــحُ أَجَلْ لَكِنَّمَا........................ هِيَ حُبِّي وَتَعِلَّاتِي وَيَأْسِي

هِيَ في الغَيْبِ لِقَلْبي خُلِقَتْ.............. أَشرَقَتْ لي قَبْلَ أَنْ تُشْرِقَ شَمْسِي

وَعَلَى مَوْعِدِهَا أَطْبَقَتُ عَيْني................ وَعَلى تَذْكَارِهَا وَسَّدْتُ رَأْسِي

***************

جَنَّتِ الرِّيْـــــــــــــــحُ وَنَــــادَتْـــــــهُ شَيَاطِيْنُ الظَّلاَمْ

أَخِتاَمــــــــاً كَيْفَ يَحْلولَكَ في البِدْءِ الخِتَــــــــــــــامْ

يَــــــــــــــــا جَرِيْحاً أَسْلَمَ الجُـرْح حَبِيْباً نَكَـــــــــــأَهْ

هُوَ لاَ يَبْكي إّذَا الــــــنَّـاعِي بِهَذَا نَبَّـــــــــــــــــــــأَهْ

أَيُّهَـــا الجَبَّـــــــارُ هَلْ تُصْـرَعُ مِنْ أَجلِ امْـــــــــرأَهْ


***************


يَالَهَا مِنْ صَيْحَةٍ مَا بَعَثَتْ...................... عِنْدَهُ غَيْرَ أَليْمِ الذِّكَـــــــــرِ

أَرِقَتْ في جَنْبِهِ فَاسْتَيْقَظَتْ.................... كَبَقَايَا خَنْجَرٍ مُنْكَسِـــــــــــرِ


لَمَعَ النَّهْرُ وَنَادَاهُ لَهُ........................... فَمَضَى مُنْحَدِراً لِلنَّهَــــــــرِ

نَاضِبَ الزَّادِ وَمَا مِنْ سَفَر.................... دُونِ زَادٍ غَيْرُ هَذَا السَّفَــــرِ

***************

يَاحَبِيْبي كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءْ.................. مَا بِأَيْدينَا خُلِقْنَا تُعَسَـــــــــــاءْ

رُبَّمَا تَجْمَعُنَا أَقْدَارُنَا..................... ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا عَزَّ الِّلقَــــــــــاءْ

فَإِذا أَنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ ......................... وَتَلاَقَيْنَا لِقَاءَ الغُرَبَــــــــــــاءْ

وَمَضَى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ................. لاَ تَقُلْ شِئْنَا! وقل لي الحَظَّ شَـــاء

****************

يَا نِدَاءً كُلَّمَا أَرْسَلْتُهُ....................... رُدَّ مَقْهُوراً وَبِالحَظِّ ارْتَطَــمْ

وَهُتَافاً مِنْ أَغَاريْد المُنَى............... عَــــــادَ لي وَهْوَ نُوَاحٌ وَنَـــدَمْ

رُبَّ تِمْثَالِ جَمَالٍ وَسَنَا................... لاَحَ لِي وَالعَيْشُ شَجْوٌ وَظُلَمْ

إِرْتَمَى اللَّحْنُ عَلَيْهِ جَاثِيَاً................ لَيْسَ يَـدْرِي أَنَّهُ حُسْنٌ أَصَــمْ

*****************

هَدَأَ اللَّيْلُ وَلاَ قَلْبَ لَهُ...................... أَيُّهَا السَّاهِرُ يَدْري حَيْرَتَكْ

اَيُّهَا الشَّاعِرُ خُذْ قِيْثَارَتَكْ ................غَنِّ أَشْجَانَكَ وَاسْكُبْ دَمْعَتَكْ
رُبَّ لَحْنٍ رَقَصَ النَّجْمُ لَهُ ................. وَغَزَا السُّحْبَ وَبِالنَّجْمِ فَتَكْ
غَنِّهِ حَتَّى نَرَى سِتْرَ الدُّجَى ................. طَلَعَ الفَجْرُ عَلَيْهِ فَانْتَهَكْ

***************


وَإِذا مَا زَهَرَاتٌ ذُعِرَتْ ..................... وَرَأَيْتَ الرُّعْبَ يَغْشَى قَلْبَهَا

فَتَرَفَّقْ وَاتَّئِدْ وَاعْزِفْ لَهَا .............. مِنْ رَقِيْقِ اللَّحْنِ وَامْسَحْ رُعْبَهَا

رُبَّمَا نَامَتْ عَلَى مَهْدِ اللأَسَى ................ وَبَكَتْ مُسْتَصْرِخَاتٍ رَبَّهَا

أَيُّهَا الشَّاعِرُ كَمْ مِنْ زَهْرَةٍ ..................عَوقِبَتْ لَمْ تَدْرِ يَوْماً ذَنْبَهَا


***************


"إبراهيم ناجي "